ثقافة مسرحية "إذا هوى" ( أيام قرطاج المسرحية) : مدينة بيروت التراجيدية تنتصر بالحب والأمل
ركح شبه فارغ، فضاء معتم ومضاء في آن واحد.. تنبعث موسيقى حيّة تنتفض على اثرها الشخصيتان المحوريتان من طرفي المسرح تسيران ببطء باتجاه وسط الركح .. "أنا في صف المتفرجين، بيروت هي المسرح والمسرحية، العرض مأسوي ومبك" يتلو المسنّ قصيدته وهو متكئ على كتف حبيبته.
بهذه العتمة التي يتخللها نور يستحضر المخرج والكوريغراف علي شحرور بيروت بكل تناقضاتها في مسرحية " اذا هوى" التي تم عرضها ضمن فعاليات الدورة 24 لأيام قرطاج المسرحية في قسم مسرح العالم . عمل اعتمد فيه شحرور على أداء روجيه عساف وحنان الحاج علي والموسيقى الحيّة لعبد قبيسي.
شخصيتان حقيقيتان تعيشان في بيروت، هما الزوجان والحبيبان، الأب والأم ، الوطن والمواطن، الماضي والحاضر ينقلان من خلال كوريغرافيا تراجيدية قصة وطن فشل في اغتياله الكثيرون، وطن عاني الفتن والسقوط والانهيار لكنه عاش وربح معركة البقاء بفضل تمسك أبنائه به. هو الجسد المنهار والمتعب والمحتضر .. وهي الحضن الدافئ ومصدر الحياة التي يلجأ اليها كلما شعر بالانهيار، هما زوجان حبيبان يفتحان باب المدينة، يسيران في شوارعها، بين بقاياها، بقايا ذاكرتهما، بقايا الفرح، بقايا مسيرة حياة، بقايا عرض راقص، بقايا مأساة أهل بيروت.
المدينة التي تهوى، المدينة التي تهوي أمام أعيننا، ولكن ما زالت تنبض، فيها عيون تعشق وقصص حب مسرحها قلب أم وقلب أب . وما بين الهوى أي العشق أو الهوى أي السقوط تخطفنا الموسيقى وتسافر بنا الى مدينة ترنو الى استعادة قوتها، في هذه المسرحية تتداخل المدينة بالحبيبة فتتحول الحبيبة الى المدينة والمدينة تتحول الى العشيقة .. "أريد أن أكون سفرا، سلاما ، ساحرا.. لكني لست إلا أنا، أنا وحسب لا أكثر ولا أقل، متشرد، متسكع، يرتدي كلمات قد لمها من هنا وهناك".
هكذا يحدث روجي عساف حبيبته ومدينته قبل أن يتخلى عن عكازه ويشرّع ذراعيه في توق الى الحرية والتحرّر لكن ما يلبث أن يتهاوى كما تهاوت المدينة، وبصرخة مدوية تندب الحبيبة رحيل المبدع والمدينة. ثم ما يلبث ان ينهض الجسد كما ينهض الأمل من اليأس، ويؤدي رقصة العريس في حين تحمل العروس على الأكتاف ومن الموت تولد الحياة، ومن الظلام يولد النور، ومن الكوابيس تولد الأحلام..
هي قصة حب قصة مدينة ، تسقط وتنهض وتنهار وتبعث من جديد. يردد عساف "لست أنا بميت، ولست بحي"، وفي الطرف الآخر من الركح تدندن الحاج علي أغنية عن الأمل، عن نهاية المدينة وبدايتها.
في هذا العمل تتداخل رقصة الدبكة، برقصة زوربا اليونانية، برقصة العروس الشامية بالتجليات الصوفية ودون كلام يتمكن أداء روجيه عساف وحنان الحاج علي من ايصال الألم والخسارة، الحب والفرح، الفوز والهزيمة، ينفصلان ويلتحمان يتقهقران ثم ما يلبثان ان ينتفضا ويعيدا ترتيب حياتهما، وبين الكوريغرافيا والإضاءة تلعب موسيقى العرض دورا رئيسيا في البناء السردي، فتهدأ أحيانا وتصبح صاخبة مزعجة أخرى .
"أشاهد التلفاز، في خطاب لأحد أولئك السياسيين، وأتقيأ" ، عبارة يتفوه بيها روجيه عساف يقول من خلالها إن المسرح قد يكون الفن الوحيد الذي يسمح من خلاله للواقع بالتسلل الى الركح وبالخيال بالتسلل الى الواقع .
"اذا هوى" تركت الجسد يثرثر بعيدا عن اللغة ، فالجسد هو من روى طيلة ساعة من الزمان حكايات وقصصا عن الحب والمدينة والفقدان والموت والحياة ، الحرب والتدمير... "إذا هوى" أي إذا عشق، أو إذا سقط، وإذا هوى العالم من حولنا، يبقى لنا المسرح، الرقص، والحب. تقول غادة السمان "حين أغمض عيني .. أراك" ويقول علي شحرور في مسرحية "اذا هوى" أغلق عينيك حتى ترى الحب وسط الدمار والحرب، فالزوجان هما جيل مرّت عليه الحروب، والأزمات، والصراعات لكنهما قرّرا البقاء .
تقف الحبيبة نهاية العرض باسطة ذراعيها، ليسير نحوها حبيبها ويستقر في أحضان الحبيبة والمدينة، ليرتفع صوت المؤذن "حيّ على الصلاة (يا حبيبي)، حيّ على الفلاح (يا حبيبي)".
المخرج والمصمم الكوريغرافي علي شحرور قدم في "إذا هوى" عرضا مسرحيا وكوريغرافيا راقصا في الآن ذاته ، موظفا في ذلك الإضاءة التعبيرية والموسيقى متنوعة الإيقاعات، ودون الحاجة الى نصّ وبالاعتماد على الجسد خاطب العين والعقل والأذن والقلب أيضا.
سناء الماجري